بين سحاب الذكاء الاصطناعي وشقاء الأرض: كيف تحلق أمازون على أكتاف الآخرين؟

بالرغم من الضجة الكبيرة التي أحدثتها “أمازون” مؤخرًا بإعلانها عن تعميق شراكتها مع عملاق البرمجيات البريطاني “أفيفا”، المملوك لشركة “شنايدر إلكتريك” الفرنسية، إلا أن بورصة وول ستريت كان لها رأي آخر؛ حيث تراجعت أسهم الشركة بعض الشيء في تعاملات يوم الثلاثاء. هذه الاتفاقية الممتدة لعدة سنوات تستهدف أساساً تسريع تقديم “الذكاء الصناعي للمصانع” عبر التقنيات السحابية، حيث من المفترض أن يعمل ذراع أمازون للحوسبة السحابية (AWS) يداً بيد مع “أفيفا” لتطوير تكنولوجيا أتمتة الصناعة، ودمج منصة CONNECT لتطوير البنية التحتية لأمازون.

الفكرة هنا، كما يوضح روب مجريفي، رئيس قطاع المنتجات في “أفيفا”، هي استغلال أدوات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي الخاصة بأمازون لتقديم تحليلات تنبؤية متطورة، وتقنيات “التوأم الرقمي”، وإدارة سير العمل الذاتي في العمليات الصناعية. هذا التوجه سيساعد العملاء على التصميم بشكل أسرع وإدارة العمليات بذكاء أعلى. “أفيفا” ليست باللاعب الصغير في هذا المجال، فبرمجياتها تخدم أكثر من 20 ألف مؤسسة منتشرة في 150 دولة. ومن خلال هذا التعاون، ستوسع الشركة وجودها على متجر AWS، مع توفير تمويل لمساعدة العملاء في نقل أعباء عملهم إلى السحابة. هذا التحرك يمثل الحلقة الأحدث في سلسلة استثمارات أمازون في الذكاء الصناعي، والتي بدأت تتبلور بوضوح منذ إطلاق “صندوق أمازون للابتكار الصناعي” عام 2022 بمليار دولار. ورغم التراجع الطفيف للسهم، لا يزال المحللون في وول ستريت يضعون أسهم الشركة في خانة “الشراء القوي”، حيث يتوقعون صعوداً بنسبة تصل إلى 20% ليصل السعر المستهدف إلى حوالي 318.23 دولار.

لكن هذه الصورة الوردية التي تُصاغ في ناطحات سحاب وول ستريت وبين غيوم الحوسبة السحابية، تختلف تماماً بمجرد النزول إلى أرض الواقع. فالنجاح التكنولوجي واللوجستي المبهر لأمازون لا يتحرك في الفراغ، بل يجري حرفياً على دماء وعرق بنية تحتية عامة ومستهلكة: هيئة البريد الأمريكية (USPS).

تلتزم هيئة البريد قانونياً بتوصيل الرسائل والطرود إلى المناطق الريفية النائية، وهي أماكن ترفض شركات الشحن الخاصة الذهاب إليها لعدم جدواها الاقتصادية. وهنا تحديداً يظهر ذكاء أمازون -أو ربما استغلالها- لهذه الشبكة العامة لتحقيق مكاسبها الخاصة على حساب عمال البريد الريفيين. خذ عندك مثلاً “فين جرين”، الذي يعمل كحامل بريد ريفي مساعد في منطقة “أوجاي” بكاليفورنيا. في أيام الإثنين العادية، يقضي جرين وزملائه ساعات طوال في توصيل طرود أمازون دون الحصول على أجر إضافي مقابل الساعات الزائدة. وعندما يرتفع ضغط العمل، مثل الأيام التي تلي الإجازات الرسمية، تصدر إليهم تعليمات صارمة بتقديم طرود أمازون وتفضيلها على البريد السريع والمسجل، وهي الخدمات الأغلى سعراً التي تقدمها الهيئة لزبائنها! وبعد أن ينتهوا من طرود الشركة العملاقة، يُسمح لهم بالعودة لمساراتهم المعتادة لتوصيل البريد العادي.

تحرص أمازون في بياناتها على صياغة رواية مرسومة بدقة شديدة حول علاقتها بالبريد الأمريكي، مستشهدة بالبرنامج المعروف باسم “أمازون الأحد” والمستمر منذ عام 2013. وفي هذا العام، 2026، وصلا إلى محطة تجديد العقد، وكانت المخاطر هائلة؛ فأمازون تضخ نحو 6 مليارات دولار سنوياً من العائدات في خزينة هذه الوكالة الفيدرالية التي تقف على شفا الإفلاس. أسفرت مفاوضات عقد 2026 عن تولي البريد الأمريكي شحن 80% من الطرود التي كان يتعامل معها سابقاً لصالح أمازون، وهو عرض لم تكن الهيئة تملك رفاهية رفضه.

تصف أمازون هذا الوضع بأنه “شراكة طويلة الأمد”، لكن الحقيقة أبعد ما تكون عن التكافؤ. العلاقة هنا تبدو أقرب لغول تكنولوجي مهيمن يعصر مؤسسة عامة مأزومة مالياً تعتمد في بقائها على هذا العقد الملياري. يفند “فين جرين” الفكرة الشائعة بأن أمازون هي “المنقذ” للبريد، بل يرى العكس تماماً؛ أمازون هي التي تعتمد كلياً على البريد في توصيل “الميل الأخير” والمناطق الريفية، حيث التكلفة اللوجستية لبناء شبكة خاصة بها ستكون باهظة ومكلفة للغاية. وفي نهاية المطاف، فإن قدرة أمازون على تقديم وعود براقة بشحن رخيص وسريع وشبه عالمي، لا تنبع من عبقريتها التكنولوجية وحدها، بل تقوم بالأساس على استغلال البنية التحتية العامة وشقاء العمال الذين يدفعون ثمن هذا التوسع من طاقتهم اليومية.

You may also like...